مناوشات قصيرة مع بعض النظريات الأولية ” نظرية الفن مقدمة موجزة “

إبدو

كتب : خالد أبو الروس

ناقش كتاب ” نظرية الفن .. مقدمة موجزة ” فيلسوفة أمريكية  سينثيا أ. فريلاند ترجمة سعيد توفيق   التنوع في كل من الفن ونظرية الفن ،  ثم  تناول الفن كما يتبدي في عصور ثقافات عديدة ، و قام بمناوشات قصيرة مع بعض النظريات الأولية في هذا المجال : كالنظرية الطقسية ونظرية الذوق والجمال ، ونظرية المحاكاة ، ونظريات التي تركز لى عملية الاتصال ، سواء لأغراض التعبير أو المعرفة . كما عرض  الآراء التي  قدمها فلاسفة متميزون من القدماء والمحدثين ، ومن ينتمون إلي ما بعد الحداثة .

دماء ملوك المايا

الكتاب   يري أن هناك نزاع   داخل أحدي قاعات مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم الجمال بين جماعة صغيرة خلال مشاهدة شرائح وأفلام فيديو بعنوان ” جماليات الدم في الفن المعاصر ” . وقد شاهدنا دماء ملوك المايا ( في أمريكي الوسطي والمكسيك ) ودماء الشباب الاستراليين الأصليين في الاحتفالات الطقسية ، وشاهدنا الدماء تتدفق فوق التماثيل في  مالي ، وتندفع من أضاحي جزاميس الماء في بورنيو ، وقد كانت بعض الدماء أكثر طزاجة وقربا من مصدرها . وقد أشبعت نوافير الدماء الفنانين الاستعراضيين وكانت قطرات الدماء تنز من شفتي أورلان التي كانت تعيد تشكيل  ملامحها من خلال جراحة تجميل  تجعلها تشبه الجميلات في الفن الغربي ولقد كان في هذا الشيء ما كاف لإثارة اشمئزاز كل من في القاعة .

وتسأل الكتاب لماذا استخدمت الدماء في هذا القدر الكبير من الفن ؟ أحد أسباب ذلك أن الدماء لها وشائج قربي مشوفة بالصبغ اللوني ، فالدماء الطازجة لها لون يخطف الأبصار بما له من بريق أخاذ ، أنها قادرة علي أن تلتصق بالسطح ، بحيث يمكنك أن ترسم به أو تنشئ تصميمات ( علي جلد الشباب من السكان الأصليين ، حيث نجد  النماذج المومضة المؤلفة من مجموعتين من الخطوط المتوازنة تستدعي عصر الطرز البدائية في ” زمن الأحلام ” الدم هو روحنا البشرية بمصه دراكولا ، والدم يمكن أن يكون مقدسا أو شريفا ، كالدماء التي يضحي بها  الشهداء والجنود ، ويقع الدم علي ملاءة السرير تشير إلي فقدان العذرية والانتقال إلي مرحلة البلوغ ـ والدم يمكن أن يكون أيضا ملوثا و ” خطرا ” كما هو الحال في الدم الملوث بالايدز ومن الواضح أن الدم له حشد من التداعيات المعبرة والرمزية ، ولكن هل الدم في الفن الحديث ( في العالم الأول الصناعي المدني ) يعني ما يعنيه في الطقوس ” البدائية ” بعض الناس يدافعون عن نظرية الفن باعتباره  طقسا ، فالموضوعات في نسق عقائدي مشترك ، فحينما يسفك ملك المايا الدم أمام الجمهور في بالينك بأن يولج قضية في الدم ويرسم من خلاله قصة رقيقة ، فإنه بذلك كان يستعرض قدرته السحرية علي الاتصال بأرض الموتى والأحياء . لذلك بعض الفنانين يسعون إلي إعادة خلق إحساس بالفن مشابه ينظر فيه الفن باعتباره طقسا .

طقسا نظرية مقبولة 

واعتبر الكتاب  أن نظرية الفن تبدو باعتباره طقسا نظرية مقبولة ، حيث إن الفن يمكن أن ينطوي علي عملية تجميع لأشياء عديدة توجهها أهداف معنية ، وهو ينتج قيمة رمزية من خلال توظيف الطقوس الاحتفالية والإيماءات والمنتجات الحرفية ، والطقوس التعبدية في كثير من أديان العالم تنطوي علي شراء لوني  وتصميم ومهرجان احتفالي ، ولكن نظرية الطقوس لا تبرر ما يحدث من ممارسات مكثفة غربية لدي الفنانين المحدثين ،كما هو الحال حينما يستخدم فنان استعراضي ما الدماء أنه من الأمور الأساسية في الطقس  وجود المشاركين ووضوح الهدف والاتفاق عليه ، فالطقس  يقوي الصلة الحقيقية للجماعة بالإله أو بالطبيعة من خلال الإيماءات التي يعرفها كل فرد ويفهمهما،  بينما المشاهدون الذين يرون الفنان الحديث ويتفاعلون معه لا يدخلون بذلك في حالة معتقدات وقيم مشتركة أو معرفة مسبقة بما سيتجلى . ومعظم الفن الحديث – الذي يقدم من خلال المسرح والمتحف وقاعة العرض الموسيقي- يفتقر إلي الخلفية التي تقوي الاعتقاد المتفشي في الجماعة الذي يقدم لنا معني يمكن فهمه بلغة التطهير والقربان أو طقوس تعميد شخص في الجماعة ، بل إن المشاهدين الذين هم أبعد ما يكونون عن الشعور بأنهم جزء في الجماعة .

الجمال والنزاهة و القبيحة

كما يعتبر الكتاب أن أدراك الوردة الحمراء باعتبارها جميلة ـ فإن هذا لا يبدو تماما كما لو كنت أضعها في دولابي الذهني ضمن الأشياء التي تحمل عنوان “الجمال “، كما أنه لا يشبه أيضا مسلكي حينما ألقي بصرصور مقزز في سلة مهملاتي الذهنية الخاصة بالأشياء القبيحة ، ولكن سمات الموضوع غالبا ما ترغمني علي ( تدفعني إلي ) أن أصنفه على ذلك النحو . وقد يكون للوردة غرض من وجودها ( إنتاج وردة جديدة ) ولكن هذا ليس هو ما يجعلها جميلة ، فهناك شيء ما خاص بكسوة ألوانها وملمس نسيجها يحفز ملكاتي الذهنية على الشعور بأنها موضوع ” ملائم ” وهذه الملائمة هي ما يعنيه  إيمانويل كانط  ” فيلسوف ألماني” حينما يذهب إلي  القول بأن الموضوعات الجميلة تكون غائبة . فنحن نصنف موضوعا ما باعتباره جميلا لأنه يحض علي الانسجام الباطني أو ” التلاعب الحر ” بملكاتنا الذهنية ، ونحن نصف شيئا ما  بأنه جميل عندما يحدث في أنفسنا هذه المتعة . وأنت عندما تصف شيئا ما بأنه  جميل ، فأن كل امرئ ينبغي أن يوافق علي هذا  الوصف ، ورغم أن التصنيف تحت هذا الوصف يكون بفعل وعي ذاتي يملؤه الشعور بالمتعة ، إلا أنه يكون له أساس موضوعي .

مشروعية كانط

 وبحسب الكتاب قدم إيمانويل كانط  توصيفا للجمال واستجابتنا له . ولم يكن هذا هو كل ما يتعلق بنظريته في الفن ، كما أنه لم يصر على أن كل فن يجب أن يكون جميلا . ولكن تفسيره للجمال أصبح مركزيا في النظريات التالية عليه  ، التي أكدت علي فكرة الاستجابة الجمالية . فكثير من المفكرين يعتقدون أن الفن ينبغي أن يثير فينا استجابة خاصة ونزيهة تتميز بالمسافة النفسية والحياد إزاء العمل الفني . كذلك فإن رؤية كانط للجمال كانت لها تشعبات في القرن العشرين حيث إن النقاد قد أكدوا على أهمية البعد الجمالي في إرغام المشاهدين على استحسان فنانين جدد يحتاجون إلي تفسير ، من أمثال سيزان وبيكاسو ويولوك . والمشتغلين بالكتابة حول الفن من أمثال كليف بل و إدوارد بول . قد تبنوا آراء متنوعة ، وكثيرا مخاطبين جماعات مختلفة من المشاهدين ، ولكنهم اشتركوا في اتجاهات متوافقة مع علم الجمال عند كانط .  فكليف بل- على سبيل المثال – يكتب في عام 1914 مركزا علي مفهوم ” الشكل ذي الدلالة ” بدلا من المضمون . و” الشكل  ذو الدلالة ” هو ارتباط خاص من الخطوط والألوان التي تستثير انفعالاتنا الجمالية . و حيث أن الناقد يمكن أن يساعد الآخرين على أن يروا الشكل في الفن . وعلي أن يشعروا بالانفعالات التي تنتج عن ذلك الشكل . 

وخصص الكتاب فصلا كاملا يوضح فيه تنوع الأشكال والأدوار الفنية في العالم الغربي . بالقيام برحلة افتراضية عبر خمس فترات .  تبدأ من القرن الخامس الميلادي في أثينا لتنتقل إلي كاتدرائية شارت في العصر الوسيط ، إلي الحدائق الرسمية لقصر فرساي ( التي استغرق إنشاؤها سنوات عديدة تمتد من 1660 حتى 1715 . والعرض الأول لأوبرا بارسيفال لريتشارد فاجنر سنة 1882 و ينتهي الفصل في سنة 1964 بعمل لآندي ورهول بعنوان صندوق بريللو . وبمراجعة للنظريات الحديثة للفن .

حول التراجيديا والمحاكاة

وأكد الكتاب عن إن المناقشات القديمة حول التراجيديا ” فن المأساة ” قد قدمت لنا واحدة من أكثر  نظريات الفن  كلها استمرار عبر الزمن وهي نظرية المحاكاة : بمعني أن الفن محاكاة للطبيعة أو للحياة والسلوك الإنساني . وقد بدأت التراجيديا الكلاسيكية في أثينا في القرن السادس قبل الميلاد كجزء من احتفالات الربيع بدينسون   . وتحكي الأساطير اليونانية أن الجبابرة المردة قد مزقوه أشلاء . ولكنه كان يولد دائما من جديد مثلما يتحدد نبات الكرم في الربيع . والتراجيديا التي أعادت تمثيل حكاية موت وتجدد ميلاد دينسيوس ، قد تشبعت إلي طبقات عديدة من المعني ، الديني والمدني والسياسي ، ولقد ناقش أفلاطون إشكالات فنية : كالدراما فضلا عن النحت والتصوير والشعر والمعمار لا باعتبارها ” فنا ” وإنما باعتبارها ” صنعة ” أو حرفة ماهرة وقد اعتبرها جميعا بمثابة حالات من ” المحاكاة التمثيلية ”  . ولقد انتقد أفلاطون كل أشكال المحاكاة – بما في ذلك التراجيديا – إخفاقها في تصوير الحقائق المثالية ” أي الصور ” فهذه الأشكال الفنية تقدم لنا – بدلا من ذلك – مجرد محاكاة للأشياء ، التي توجد في عالمنا ، والتي تعتبر هي ذاتها مجرد نسخ من لمثل .

السياقات التاريخية البارزة

وبحسب الكتاب لقد اتخذ الفن أشكالا متنوعة عبر السياقات التاريخية البارزة . ونحن نقدر الأشكال الفنية التي تنتمي للماضي من قبل فن المأساة عند القدماء – رغم أن السياق الثقافي الذي تنظر إليها من خلاله ، قد يكون مختلفا عن سياقها الذي تنتمي إليه . غير أن بعض الفنون التي تنتني إلي الماضي تبدو غريبة تماما . فالتركيب الرمزي المعقد لحقائق القرنين السابع والثامن عشر في فرنسا ، لا يوجد ما يناظره في الغرب الآن إلا القليل – فالزجاج المرسوم – الذي يعد أمرا جوهريا بالنسبة لروعة كاتدرائية شارت – هو أمر ينتمي الآن إلي الحرفة اليدوية أكثر مما ينتمي إلي الفن ، كما الهواية أو ممارسة للتصميم أكثر من كونه ” فنا ”  حيث قالت الكاتبة ” ربما ينبغي علينا أن نفحص فروضنا عن الاختلاف بين الحرفة والفن كما هو الحال فيما يتعلق بالعلاقة بين الفن وتصميم المشاهد الطبيعية .

واعتبر الكتاب إن الاحتكاك الثقافي يفرز اتجاهات إزاء الفن تتراوح بين التبجيل الصادق والنزعة التجارية الخالصة . فالفن والمال يتفاعلان في العديد من المؤسسات – وخاصة في  المتاحف حيث أنها تصون وتجمع ، وتعلم الجمهور وتقدم معايير لقيمة الفن وجودته – ولكننا يمكن أن نتساءل معايير من ؟ وعلي أي نحو ؟ ولماذا تطورت تلك المعايير ؟  و ما الذي يمكن أن نقوله لنا فيما يتعلق بتغير نظريات الفن ؟ وسوف أتتبع الصلات الكائنة بين القيم الفنية والتثقيفية والمدنية والتجارية والروحية . وحتى المدن صغيرة الحجم ، غالبا ما تمول باقة من المتاحف . فمدينة ” سانتا في ” علي سبيل المثال بها متحف للفنون الجميلة ، ومتحف للفن الشعبي العالمي ، ومتحف الفنون الثقافة و الهندية  ، في نفس الوقت تختلف المتاحف الحديثة المنتشرة حول العالم عن المتاحف الأكثر تقليدية في عرض أنتاج الأقليات من جماعات الفنانين والنساء والناس العاديين ” الفن الشعبي ” .

 

Next Post

الهجرة المصرية تفعل آلية التواصل الإلكتروني لتلقي شكاوي المصريون بسبب كورونا

  في ضوء ما يشهده العالم حاليا من إجراءات لمحاربة انتشار فيروس “كورونا” ومنها إيقاف الطيران أو طلب تقديم شهادات صحية أو خلاف ذلك من إجراءات، وحرصا على التواصل مع المصريين العاملين بالخارج  العاملين  في الخارج ويرغبون في العودة للوطن أو في العودة إلى جهة عمله بالخارج، وجهت السفيرة نبيلة […]
ارشيفية