قبول الاخر بين القبلية والطائفية

إبدو

بقلم: جمال أسعد

مصر الضاربة في اعماق التاريخ مهد الحضارة وفجر الضمير ،هى كانت قبل الزمان بزمان . كم شاهدت وكم عانت وكم ناضلت ضد غزاة ومستعمرين طامعين في خيرها وسحر موقعها وجلال موضعها ، هناك اثنين وخمسين غزوة حربية وثلاث هجرات جماعية  “الهكسوس، اليهود، العرب” جاؤا اليها،ولكن الجميع الوارد والوافد والمقيم لا يستطيع الفكاك من جيناتها الآزلية التي يتعمد منها الجميع فيصبحوا مصريون .

فتاريخ مصر كان مع الانسان وقبل الاديان ،واياً كانت مصادر تكوين الشخصية الحضارية واياً كان عددها ،فهذه المصادر تراكمت وخلقت هذه الشخصية تحت مبدأ الكل في واحد وواحدية التعددية ،فهذه هي مصر، فلم يكن الدين هو العامل الوحيد في تكوين الشخصية المصرية ولكن كان عاملاً مهما وذلك لان المصريين هم من أبدعوا الدين ومارسوا التدين فمصر كانت قبل الاديان وكانت بعد الاديان وستظل مصر الى اخر الزمان ،فهي التي تشكل الشخصية ولا احد يشكلها كما يريد غيرها ،ولذلك كانت الحقبات التاريخية “اليونانية ، الرومانية، المسيحية ، الاسلامية” هم اهم واعمق الحقبات التي شكلت الشخصية الحضارية المصرية وكونت الهوية المصرية الواحدة والجامعة ،وهذه الشخصة هي شخصية المصري الواعي والمنتمي لأرض هذا الوطن والذي يعي أن الوطن هو الباقي اما الاشخاص فزائلون ،ولكن واه من لكن هذه .

فهناك من يدعون الوطنية ويتغنون بالانتماء لمصر ولكن افكارهم وسلوكياتهم وأهدافهم الذاتية لا تتوافق ولا تتسق ولا تساهم في توحد مصر والمصريين ، فنرى من يخرجون علينا بمقولة أن ما يسمى بتجمع القبائل العربية وأن عددهم يصل الى 14 مليون نسمة !! في المقابل نسمع ونقرأ من مصادر كنسية أن المسيحين في مصر قد فاق عددهم أكثر من 20 مليون نسمة !! .

ومن المعروف أن اصحاب ما يسمى بالقبائل العربية يتعمدون ويقصدون ويتعالون على الجميع بهذا الانتماء والعدد اعتماداً ،كما يتصورون، أن هذا الانتماء هو انتماء الى الاسلام ، وطالما تم التعامل باقحام الدين في اي في اي شئ فهذا يعني أبعاد الاخر ، كما أن الاعلان عن عدد المسيحين كل فترة يعني ان المراد بشكل مباشر او غير مباشر التنبيه الى ان مصر مسيحين ومسلمين وليس مصريين وفقط ،وهذا وذاك له اهداف ذاتية وقبلية وطائفية لا تسعى لسلامة الوطن وتجذير وحدته ،وهذا يعني خلق صراع بين الهوية العربية والهوية المصرية أي صراع بين طرفين بمصر “مسلمون ، مسيحيون” استغلالاً  منِ منَ يريد تكريس الطائفية والقبلية على حساب المصرية الجامعة .

ولذا نرى من يتمسك بالحقبات الفرعونية واليونانية والرومانية ويتوقفون ،فلا يعترفون بالحقبة الاسلامية المعاشة منذ أربعة عشر قرناً ، في المقابل من يعتبر ان تاريخ مصر قد بدأ وسينتهي بالحقبة الاسلامية فقط لا غير ولذا فهم يسقطون كل الحقبات السابقة ببشرها وحضارتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها وكأن مصر لم يكن لها وجود قبل هذه الحقبة ، فهذا وذاك يعني ان هناك من يدعي الحفاظ على الثقافات والهويات الفرعية ، نعم هناك ثقافات متعددة في مصر منها الثقافة الاسلامية والمسيحية واليونانية والبدوية ..الخ ، وهذا لا يمكن أسقاطه من الخريطة الثقافية والاجتماعية ،ولكن هناك فرق بين أن تكون هذه التعددية هي روافد ثقافية هامة ومهمة تصب في نهر الثقافة المصرية الجامعة ،وهذا ما حدث ويحدث وسيحدث طوال التاريخ المصري ، وهو الشئ الذي عمق الحضارة المصرية وكرسها وجعلها من أهم الحضارات المؤثرة في مسار الحضارات العالمي ،وفرق بين أن تستغل هذه الحقبات لتكريس الطائفية وتجذير القبلية وتقسيم الوطن الي طوائف وملل ونحل ،الشئ الذي دائما وأبداً ما كان هدفاً لكل القوى الاستعمارية على مر الازمان ،ولذا فليعلم الجميع أن هذه الانتماءات الفرعية والتي يتم المتاجرة بها لدغدغة عواطف المتدينين الشكليين الذين يتعاملون مع الدين في الاطار الاجتماعي والقبلي والطائفي .

أن مصر هى وطن كل المصريين ، وطن كل مصري يعيش على أرضها ويحترم تاريخها ويعمل على تقدمها على أرضية مصرية تجمع كل المصريين ودون النظر لدين او جنس او لون او قبائلية او مناطقية ،فأصحاب القبائل العربية لا يستطيعوا حسم انتمائهم القبلي للجزيرة العربية والتي كانت تتكلم العربية قبل الاسلام ،فمن جاء الى مصر من هذه المنطقة الجغرافية لا يمثلون شيئاً بالنسبة لتعداد المصريين الآصلاء ، ولكن بعد نشر الاسلام غيرت الغالبية المصرية المسيحية الى الاسلام وتحدثت العربية بدلاً من القبطية ، فالمصريون هم من كانوا يدينون بالمصرية القديمة ثم أنتقلوا الى المسيحية وبعدها الى الاسلام وهم مصريين طوال الوقت ، مع العلم أن الوافدين العرب كانوا قد امتزجوا بالمصريين وأختلطوا وذابوا فأصبحوا مصريين بالتجنس وبالواقع والمعايشة ، كما ان المصري الذي استمر على المسيحية من قال أنه لم يتجنس ويختلط بالمسيحي غير المصري كالشوام والارمن والسوريال ..الخ ،الاهم ان المصريين الان هم المصريون الذين مصرتهم مصر وجنستهم مصر . يقول جمال حمدان ” مصر فرعونية بالجد وعربية بالاب ” مع العلم ان الاب والجد من اصل مشترك فعلاقة القرابة والنسب متبادلة ،”أذا كان العرب قد عربوا مصر ثقافياً فأن مصر قد مصرتهم جنسياً”.

الشخصية الحضارية المصرية يا سادة هى نتاج للحقبات التاريخية المتراكمة وأهمها المسيحية والاسلامية المعاشة بعيداً عن الطائفية والقبلية التي لا تريد غير الفرقة والتمزق والتفتت والتمايز والتعالي ، وهذه اشياء لا تصنع وطناً ولا تخلق هوية واحدة ولا تساعد على توحد نحن في أمس الحاجة اليه ، مصر للمصريين ومن لا يريدون المصرية فهم أحرارا والى ما يردون يذهبون وستبقى مصر لكل المصريين.

 

Next Post

الأسهم الأوربية : تحقق أسوا خسارة لها بنهاية تعاملات أمس الخميس

حققت الأسهم الأوروبية 11.5% بنهاية تعاملات اليوم الخميس، في أسوأ خسارة يومية لها على الإطلاق، وسط استقبال بارد لخطوات الحكومات والبنوك المركزية للتصدي للعواقب الاقتصادية المحتملة لفيروس ” كورونا ” سريع الانتشار . وتلقت أسهم شركات الطيران، أشد الضربات، بعد أن قيدت الولايات المتحدة حركة السفر القادمة إليها من أوروبا، […]