البغدادي وسنينه !!! … عبد الحليم قنديل

إبدو
ارشيفية

 

 

    لن يكون مقتل “أبو بكر البغدادي” آخر فيلم هوليودي ينتجه البيت الأبيض ،  وربما يكون بطل الفيلم المقبل “أبو محمد الجولاني” ، وقد كان رفيقا وتلميذا للبغدادي فى تنظيم قاعدة “أبو مصعب الزرقاوى” ، ثم في تنظيم “دولة العراق الإسلامية” ، قبل أن ينفصل عن البغدادي ، ويقود جماعة “جبهة نصرة أهل الشام” ، التي غيرت اسمها مرات ، وصارت تعرف اليوم باسم “هيئة تحرير الشام” ، وتسيطر على مدينة “إدلب” في الشمال السوري ، وفى ذات الجغرافيا تقريبا ، التي انتهت فيها قصة الخليفة أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم “داعش” .

  وبصرف النظر عمن يكون عليه الدور ، وسواء كان الجولاني “السوري” ، أو أيمن الظواهري “المصري” ، الأمير العام لتنظيم قاعدة الجهاد العالمي ، وخليفة أسامة بن لادن ، الذي جرت تصفيته في باكستان ، وبذات الطريقة تقريبا ، التي أنهت حياة البغدادي “العراقي” ، وذهبت الأشلاء في الحالتين إلى بحر مجهول ، وهى طريقة دفن مائي مختارة ، تطبق الشريعة الإسلامية بحسب فقهاء البنتاجون (!) ، وحتى لا يكون لأحدهم  قبر يزار ، أو يلهم الراغبين في احتذاء الطريق الإرهابي ، أو المفتونين بتكرار اللعبة نفسها ، لعبة صناعة وحوش متطرفة باسم الإسلام ، ثم تركها تقتل وتدمر ما استطاعت في ديار العرب والمسلمين ، ثم التخلص منها في الوقت المناسب بعد نفاد الدور ، والذهاب بما تبقى من الأشلاء إلى أعماق البحار البعيدة .

  ولم تكن المخابرات الأمريكية ، ولا القوات الخاصة ، ولا البيت الأبيض ، ولا أسلحة البنتاجون ، لم تكن أمريكا كلها بعيدة عن سيناريو اللعبة منذ بدأ ، مع الغزو الروسي لأفغانستان في أواخر سبعينيات القرن العشرين ، ورغبة الولايات المتحدة فى تدمير غريمها (الاتحاد السوفيتي وقتها) ، وجعل أفغانستان مقبرة عظيمة للروس ، الذين فقدوا هناك نحو أربعين ألف مقاتل ، واضطروا للانسحاب فى النهاية ، بعد حرب استمرت نحو عشر سنوات ، كان عدوهم الظاهر فيها جماعات إسلامية أفغانية ،  إضافة لشراسة قتال ما عرف وقتها باسم “المجاهدين العرب” ، وقد جرى استجلابهم من قلب العالم العربي ، ومن مصر والسعودية في الغالب الأعم ، وبرعاية النظامين المصري والسعودي وقتها ، وبتنسيق مباشر مع المخابرات المركزية الأمريكية ، وبتعاون نشيط وثيق بين النظم التابعة وجماعات ما يسمى بالتيار الإسلامي ، وجرت التعبئة العامة عبر منابر المساجد وأجهزة الإعلام الرسمية ، وبدعوى النفير العام لقتال الغزو الروسي الملحد ، ولعب الرئيس المصري الأسبق أنور السادات دورا بارزا في القصة الملوثة منذ عام 1978 ، فقد كان نظامه معروفا بدعم جماعات ما يسمى بالتيار الإسلامي ، وبصلاته الوثقى بالخصوص مع قيادات المملكة السعودية ، مع تبعية سياسة البلدين للسيد الأمريكي ، ثم راح السادات في النهاية ضحية لحلفائه “الإسلاميين” ، مغتالا على منصة العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981 ، ولكن بعد أن كان الغول (الجهادي) قد تضخم ، وارتقت مهارات (مجاهديه) القتالية في حرب أفغانستان بتضاريسها الوعرة ، ودون أن يؤدى ذلك إلى سلام ولا سلامة لأحد ، وحتى في أفغانستان نفسها بعد جلاء الروس ، فقد دارت الحرب الضروس بين أحزاب الأفغان الإسلامية على كرسي السلطة ، وانتهت إلى إفناء متبادل ، وإلى أن انتصرت عليها جميعا ، حركة “طالبان” الشبابية المدربة في باكستان ، التي حكمت بعد جلاء الروس بعشر سنوات ، وأقامت إمارة إسلامية طاردة لأي معنى للتقدم أو التنمية ، وكانت أكبر انجازاتها هدم تمثال “بوذا” ، والتحالف مع نواة تنظيم القاعدة ، التي رعاها المليونير السعودي أسامة بن لادن ، المتأثر بفكر جماعة الإخوان فى بداياته ، لكنه راح يؤسس طريقا آخر ، رآه أكثر فاعلية من عقيدة وسياسة الإخوان المرتبكة ، ووجد في “المجاهدين العرب ” بأفغانستان ضالته ، واعتمد خط تكفير كل النظم القائمة في العالمين العربي والإسلامي ، وجعل من تنظيمه (قاعدة الجهاد) عدوا أول لرعاته الأمريكيين السابقين ، بدءا بتفجير السفارات ، وليس انتهاء بما أسماه “غزوة نيويورك” ، وعملية تفجير برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر 2001 ، وهنا انقلب السحر على الساحر ، وتحول بن لادن إلى هدف حربي للأمريكيين ، وإلى أن قتلوه بطلقة في الرأس بتاريخ 2 مايو 2011 ، بمجمعه السكنى في مدينة “أبوت أباد” الباكستانية ، بينما كان باراك أوباما الرئيس الأمريكي وقتها ، يريد “صيدا ثمينا” ، يعينه في الفوز بفترة رئاسة ثانية ، تماما كما يفعل دونالد ترامب الآن ، ويقدم رأس البغدادي ، ومن قبله رأس حمزة بن لادن ، على مذبح التأهل لفترة رئاسة ثانية ، ومحاولة اكتساب حصانة ضد إجراءات عزله الجارية  في مجالس النواب الأمريكي ، فقد كانت بداية البغدادي أيضا على مقربة من الأمريكيين بعد احتلال العراق ، كان عضوا بتنظيم الإخوان العراقي كما قال الشيخ يوسف القرضاوى ، واعتقل الأمريكيون البغدادي الشاب عام 2003 في سجن “بوكا” القريب من البصرة ، وكان اسمه الأصلي إبراهيم عواد إبراهيم على البدرى ، ومن عشيرة “البدرى” ، التي تصل بشجرة نسبها إلى على زين العابدين ابن الإمام الحسين ، أي إلى بيت رسول الله عبر نسله من السيدة فاطمة الزهراء ، وفى سجن “بوكا” الأمريكي ، وعبر أربع سنوات ، كون البدرى نواة تنظيمه ، وأفرج عنه الأمريكيون بعد الفراغ من المهمة ، وخرج البدرى ليكتسب لقبه الجهادي “أبو بكر البغدادي” ، وليخلف أبو عمر البغدادي في قيادة جماعة “الدولة الإسلامية في العراق” ، وبقية القصة معروفة لكل الناس ، وإلى أن غير اسم التنظيم إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ، وإلى أن كون ما أسماه الخلافة على منهاج النبوة ، وسيطر رجاله على ثلث العراق في اجتياح عاصف ، ثم أضاف ثلث سوريا ، وجعل عاصمته في “الرقة” السورية ، ثم انقلب الأمريكيون عليه ، وعلى خلافة السبي والذبح ، وإلى أن انتهى أمره ، ربما بذات الطريقة التي انتهى بها بن لادن ، وعبر وشاة من دائرتيهما المقربتين ، تعاونوا مع الأمريكيين لقاء ملايين الدولارات ، وإلى أن جاء أوان شطب الدور والوجود .

  وبالطبع ، لن تكون نهاية البغدادي نهاية لتنظيمه ، المعروف اختصارا باسم “داعش” ، وقد سارع داعش إلى تعيين خليفة للخليفة البغدادي ، وحمل الخليفة الجديد اسم أبو إبراهيم الهاشمي القرشي ، ولاحظ من فضلك ، الحرص على استخدام لقب “القرشي” ، فقد كان شرط القرشية  لازما لتنصيب الخليفة في كتب “السياسة الشرعية ” القديمة ، ثم ذهب شرط القرشية مع الريح في أشكال الخلافة التي تلت حكم العائلتين الأموية والعباسية ، خصوصا في خلافة آل عثمان ، ولم يكن من بينهم قرشي ولا عربي من أصله ، فيما تسعى خلافة داعش الموهومة إلى استعادة قشور من جراب “الحاوي” ، تغرى جماعات من الشباب “الإسلامي” ، بمطاردة وهم اسمه استعادة الخلافة ، وهى لم تكن أبدا فرضا دينيا ولا سنة ، بل ظاهرة دنيوية تماما ، ونظام حكم ، فرضته قواعد وإمبراطوريات العصور الوسطى ، وقد شهدت عصور الخلافة – ما بعد الخلفاء الأربعة الراشدين – ازدهارا وانحسارا ، وعلى قواعد دنيوية بحتة ، تسرى قوانينها المصاحبة لصعود الإمبراطوريات وسقوطها ، وارتكبت باسمها أفظع الجرائم ، التي لا يقرها شرع ولا دين ، وعلى نحو ما كانت عليه دعوى استعادتها في خلافة البغدادي ، التي اعتمدت “التوحش” دينا وقطع الرءوس شريعة ، ولم تعدم المعجبين والمريدين ، خصوصا في بيئة عربية مريضة ، يسودها الفساد والإفقار والاستبداد والتخلف ، إضافة لأمراض الطائفية المقيتة في بلدن المشرق العربي بالذات ، المؤهلة لإعادة إنتاج الظاهرة الداعشية ، وإن بأسماء أخرى ، لتؤدى دورها كمخلب قط ، وتدمر الحرث والنسل ، على أن تظل أمريكا ، وهى “داعش” الكبرى في عالمنا ، ممسكة بطرف الخيط ، ومستعدة لإنهاء حياة الخلفاء المزورين في اللحظة المناسبة ، فلا شئ يضير أمريكا من ظواهر الجماعات إياها ، خصوصا مع تأديتها لدور وظيفي جوهري في تشويه وتحقير الإسلام والمسلمين ، مع عدم إطلاق رصاصة واحدة فى اتجاه كيان الاغتصاب الإسرائيلي ، بل وتتخذه الجماعات صديقا ضمنيا من تحت الطاولة ، فقد قتلت هذه الجماعات من العرب ، مئات أضعاف من قتلتهم إسرائيل (!).

  وباختصار ، لم يغلق القوس بعد البغدادي ، وربما نظل مع الداء نفسه لسنوات مقبلة ، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا ، مع صحوة الشعوب العربية المعاصرة ، والتقدم إلى مجتمعات تقوم على حق المواطنة المتساوية ، تقشع ضباب اليمين الديني ، وتعطى الأولوية للاستقلال الوطني والقومي ، ويقوم وجودها واقتصادها على مبادئ التصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية ، وتعيد للإسلام وجهه الحضاري المضئ ، لا الوجوه العابسة المظلمة المنفرة ، التي لا تخدم سوى أعداء الأمة ، بالقصد أو بالغفلة ، وتنتشر كأسراب الجراد في حياتنا الحاضرة ، وتمد في عمر نظم القهر والعهر والخيانة ، التي تستفيد ضمنا بوجود جماعات “داعش” وأخواتها وسابقاتها إلى الضلال المبين .

 

Next Post

عمرو موسى يعود إلى القاهرة بعد جولة شملت الإمارات والصين وچيپوتي

    موسى يلتقي الرئيس الصيني شي چينپينج ضمن وفد مؤتمر “تفهم الصين” في بكين   عاد إلى القاهرة أمس، السيد/ عمرو موسى قادماً من چيپوتي في ختام رحلة عمل خارجية شملت ثلاث دول.   كان موسى قد سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للمشاركة في قمة معهد بيروت بأبوظبي […]