الحرية والليبرالية في فلسفة جون لوك

إبدو
أرشيفية

 

عرض :  خالد أبو الروس

 

العلاقة بين الحرية والليبرالية في فلسفة جون لوك ، موضوع كتاب حديث صدر بعنوان ” الحرية والليبرالية في فلسفة جون لوك ” للباحث منوبي غباش حيث يلقي الكتاب الضوء علي مفهوم الحرية وارتباطها بالفرد والطبيعة  والقانون .

 

اعتبر الكتاب مسألة الحرية من أكثر المسائل الفلسفية تعقيدا فهي مفهوم نظري مجرد ولكنه في نفس الوقت ، يحيل إلي ممارسة عملية ،  ولعل الصياغات المختلفة لسؤال الحرية كما النظريات والتصورات التي ارتبطت به ، غير تاريخ الفكر الفلسفي ، لا تعفينا من طرح السؤال مجددا ومن البحث عن الأجوبة الممكنة والملائمة لوضعيتنا الوجودية ، ولظروفنا التاريخية إن سؤال الحرية يستمد مشروعيته من ذاته ، من دلالته ومن ضمنياته ومن رهاناته ، لا من تاريخيته ، لم نختر أن نفكر في الحرية في المطلق بل في إطار فلسفة جون لوك الإنجليزي المنتمي إلي القرن السابع عشر ، والذي يعتبره كثير من مؤرخي الأفكار والباحثين في الفكر السياسي ، رائد الليبرالية ولعله اختيار بمكن تبريره بالنظر إلي هيمنة الليبرالية في واقعنا الراهن .

 

وأكد الكتاب على أن الحرية عند جون لوك هبة طبيعية للإنسان إذ إنه لا يستمدها من المجموعة ولا يكتسبها من خضوعه لسلطة الدولة ، بل هو حر بصورة أصلية أو هو حر ” ماهويا ” ، ولوك في هذا لا يشذ عن التقليد الفلسفي ولا يخلف الفلاسفة الحداثيين  ، مثل روستو وكانط ، وتمثل الحرية حقا طبيعيا وبما أن الحق الطبيعي ليس شيئا آخر غير القانون الطبيعي ، الذي يدرك العقل الإنساني تعاليمه وأوامره فإن ثمة ارتباطا وثيقا بين الحرية والعقل .. إن الإنسان حر لأنه عاقل ، فالحرية ” بما هي التصرف تبعا لإرادته إنما ترتكز على كونه يتحلي بالعقل الذي يكشف له من تلك السنة التي ينبغي أن يخضع لها ويطلعه علي مدي حرية إرادته ” ، حيث تقوم فلسفة لوك السياسية والأخلاقية على مسلمة الحرية ، والحرية في مجال الاجتماع المدني والسياسي ليست معطاة ولكنها تؤسس تأسيسا وتتأطر بضوابط وحدود سواء تمثلت في سلطة عامة أو في مصلحة عامة ، إنها حرية مشروطة ، يمثل القانون في معناه  العام الوجه الآخر للحرية ، إذ  لا يمكن تصور الحرية خارج نطاق القانون ولا القانون متعارضا مع الحرية ، لنقر منذ الآن بأن هذا افتراض يحتاج إلي إثبات بالعودة إلي نصوص لوك  .

الحرية العقلانية

 

ويكشف الكتاب عن أن الحرية عند جون لوك لا يتحدث عنها في أكثر الحالات إلا مقترنة بالقانون وهو لا يتناول مسألة لحرية في ” رسالتي الحكم المدني ” فقط ، بل نجده يتحدث عن الحرية في ” بحث في التسامح ” عام 1667 وفي ” رسالة التسامح ” عام 1686 وفي ” أفكار حول التربية ” وكذلك في كتابه الأساسي ” محاولة فلسفية في الذهن البشري ” عام 1690 ، وهو يخصص الفصل الواحد والعشرين من الكتاب الثاني من الأثر المذكور لمعالجة جملة من المسائل ، من بينه مسألة الحرية ، بين لوك في هذا الفصل المعنون ب ” في القوة ” ، أن الحرية ليست إلا قوة أو قدرة . عندما ينظر كل واحد في ذاته يجيد أن لديه قوة أن يشرع في أفعال مختلفة أو يمتنع عنها ، ليواصلها أو ينهيها بفكرة الحرية الضرورية ، حيث تفهم الحرية عند لوك على أنها نقيض للضرورة ، ولكنها لا تتعلق بالإرادة بل تتعلق بالفاعل أي الإنسان الذي تكون له القدرة علي الفعل أو عدم الفعل ، وإن القول بأن الإرادة ” حرة ” هو في نظر لوك قول غير دقيق ، لأن الحرية تنتمي فقط إلي الفاعل ، والإرادة ملكة أو قوة وكذلك هي الحرية قوة أو ملكة ، والقوة أو ملكة كما يقول لوك ” لا تقال إلا علي الفاعل ” وهكذا لا ينبغي أن يكون السؤال متعلقا بما إذا كانت الإرادة حرة لأن ذلك تعبير غير دقيق .

                السلطة السياسية والمشروعية الأخلاقية

أكد الكتاب على أن السلطة السياسية تكون دائما محكومة بملابسات الواقع وبطبيعة المصالح وتناقضها في مجتمع معين وفي عصر معين ، وهي لذلك وسيلة ناجحة لتنظيم علاقات المصالح والحد من شدة الصراعات بهذا المعني تفهم الدولة كاصطناع إنساني وابتكار عقلاني ، كحيلة العقل الذي لا يصلح فقط  لإدراك الواقع وفهمه ، بل لتنظيمه والتحكم فيه ، فالدولة تجسيد للعقل تحقيق للعقلانية في الواقع . غير أن التطابق بين الدولة باعتبارها سلطة إكراه وقسر والعقل ليس أمر بديهيا ، فعندما تتحول السلطة السياسية إلي إرادة لخدمة مصالح فئة قليلة في المجتمع ، فإنها تصبح في نفس الوقت تسلطا وهيمنة تنتهك معها حقوق الأفراد ، وتنعدم تحت ” الحريات ” و إذا كانت الحرية لدي لوك تتماهى مع العقل ، فإن الممارسة السياسية السلطوية ليست عقلانية ، ذلك أن الذين يحكمون باسم الدولة لا يحكمون العقل في حكمهم بل يتبعون أهواءهم وميولهم .. ولقد رأي لوك أن على الحاكم المدني أن يلتزم في حكمه بالقانون والطبيعي أي أن يراعي الحقوق الطبيعية التي يتضمنها ذلك بما أن لقانون الطبيعي هو أفق ما بعد سياسي ، فلنا أن نسأل عن قيمة الحل الذي قدمه لوك لمشكلة الوجود السياسي ، والإجابة على هذا السؤال  تبين أن نظريته السياسية قامت على فكرة المشروعية بمعني أن السياسة ، من حيث هي تجسيد للعقلانية ، لا تنفصل ولا تتعارض مع الأخلاق وأن تصوره للحرية قد حددها وصبغها بصبغة ليبرالية .

                مبدأ السيادة للشعب

وكشف الكتاب عن أن المهم في تصور لوك للمشروعية السياسية هو إقراره  بأن مشروعية سلطة بشرية تتحدد بمدي تطابقها مع الحقوق الطبيعية للفرد التي تضمنها قانون الطبيعة ، وهي حقوق  مطلقة وثابتة وسابقة علي  أية سلطة زمنية  وعلي كل اصطناع سياسي مما يجعل السلطة مشروعة هو تحقيقها على صعيد الواقع للأهداف التي من أجله انتظم الناس في المجتمع وكونوا دولة أي حماية وتكريس حقوقهم ، وكل انتهاك أو اعتداء أو إضرار بهذه الحقوق بأي شكل من الأشكال يجعل السلطة فاقدة للمشروعية    بالتالي يبرر الخروج عليها ومقاومتها  ، لا تحسم مشكل المشروعية بحسب منطق القوة أو علاقات المصالح ، بل بالإقرار بسيادة الشعب ووضع حدود للسلطة ، إن الشعب هو مصدر المشروعية وهو الذي فوض للحكام مهمة تحقيق أهداف اجتماعية ، أهداف وافق عليها كل فرد وقبل بها وبإمكاننا أن نجد في نصوص لوك ملامح نظرية السيادة الشعبية ، ولكن ذلك لا يعني موقفه من مسألة السيادة الشعبية خال من الالتباس والغموض  ، فالشعب يبدو  تارة ملزما بطاعة سلطة الحاكم المطلقة ويبدو تارة أخري حائرا علي حل المقاومة رافضا الخضوع للسلطة الاستبدادية .

 

وأردف الكتاب  أن النظرية السياسية لدي لوك تضمنت محاولة لتأسيس سلطة الدولة على مبدأ الموافقة والاتفاق وهي تمثل اعتراضا علي نظرية الحق الإلهي التي استخدمت طويلا لتبرير الحكم الملكي المطلق ، فبعد أن يبن الفيلسوف في الرسالة الأولي في الحكم المدني تهافت تلك النظرية من خلال نقده لأحد أبرز ممثليها وهو روبرت فلمر ، بينما عمل في الرسالة الثانية علي توضيح نظريته الخاصة ، إن الشعب من حيث هو مجموعة الأفراد الأحرار هو مصدر السلطة وأن كان لا يمارسها بشكل مباشر بل عبر نواب مفوضين ، وبالتالي فله أن يستردها ممن وضعها بين أيديهم إذا تنكروا للمهمة التي كلفوا بها حتى إن تم ذلك عبر المقاومة والثورة ، ولقد كان على لوك   أن يؤلف بين حركة الفرد ونظام الدولة وبين ضرورة الواقع المجدد بالأهواء والمصالح وإطيلاقية الحق ،  حسبه في ذلك أنه يبن أن السياسة الحقيقية لا تنفك عن مبادئ الأخلاق ، و السياسة الصحيحة  عند لوك سياسة الحرية  ، بما في ذلك أن الناس أحرار ولديهم حقوق طبيعية لا يجوز انتهاكها ، وإن أخلت الحكومة بمهمتها وناصبت الشعب العداء بأفعال وممارسات مضادة لمصلحته فلا مناص له من أن يترجم حقه في المقاومة إلي ثورة .

حرية الضمير والتسامح الديني

 

وأكد الكتاب على أن نظرية لوك في التسامح تكتسب معناها وقيمتها في إطار تصوره  للحرية ليس التسامح في نظرية الحرية ، بل أن الحرية هي شرط التسامح وبالتالي لا يكون التسامح مطلقا مع أي كان في كل الحالات ف” حرية الإنسان لا معني لها إلا في علاقتها بقانون طبيعته عقلاني وتلك الحرية لا يمكن أن تضمن وتحمي إلا في إطار الحالة المدنية وفي هذا الإطار ينبغي ممارسة التسامح ” ولا يتحدد الدفاع عن التسامح انطلاقا من حرية الوعي بل من منطلق حماية الحرية المدينة ولا يعني  التسامح عند لوك اعترافا تاما بالحرية الفكرية والعقائدية لأتباع المذاهب والطوائف الدينية المختلفة ، يدل التسامح عنده علي الامتناع عن اللجوء إلي القوة لإجبار الآخرين في الأمور الدينية ، وهو في ” رسالة التسامح ” لا يدافع عن حرية الوعي  ولا يدعو، بالتالي إلي ضمان حق كل الفرد  في ممارسة عبادته بحرية تامة ، حيث تتناول الرسالة مسألة إلزام الحاكم المدني بعدم التدخل في طرق وكيفية تعبير الأفراد عن قناعاتهم الدينية .

التطور الليبرالي للحرية

يقول الكتاب ” يقوم التصور الليبرالي للحرية علي مفهوم الفردانية ” وما يرتبط به من تعددية قيمية تتعلق بنمط الحياة  التي يختارها الفرد ” وعلي فكرة الحد من سلطة الدولة لتنحصر وظيفتها بحماية الحريات وضمان الحقوق وهذا الأساس يجعل من الحرية مشكلة سياسية وقانونية في نفس الوقت ، لقد تميزت الليبرالية الكلاسيكية ”  التي يمثلها أدام سميث و جيرمي بنتام وجيمس ميل وجون ستيورات ميل وغيرهم ” بالتركيز علي الجوانب القانونية للحرية ، كما أن العلاقة بين الحرية و المساواة تمت معالجتها لديهم من الناحية  قانونية للحرية بمعني أن المساواة الحقيقية هي المساواة أمام القانون ، لعل هذا ما يسمح  لنا بتفسير الاهتمام الضعيف بالعدالة التوزيعية لدي المفكرين الليبراليين  ، فالمساواة بين الأفراد أمام القانون هي جوهر الحرية الفردية ، ويبدو التصور الليبرالي محدودا إذ أنه يهمل أمرين  أساسيين ، لا يستقيم مفهوم الحرية بدونهما ، أولا الحرية لا تتحقق إلا بتوفير مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية ، ثانيا ، تأخذ حقيقتها وقيمتها من اندراجها ضمن منظومة قيم كونية  ، ولقد جعل لوك من الحق الطبيعي الذاتي قاعدة معيارية للحد من التسلطية السياسية أو من نزوع الحكام إلي التسلط وهو في هذا الأمر يلتقي مع كانط .. و ما يميز ليبرالية لوك هو ما يمكن أن نسميه بالمعيارية ” الإيطبقية ” المتمثلة في قانون الطبيعة الذي يكتشفه العقل .

 

ويعتبر الكاتب إن الاهتمام في التقليد الليبرالي تمثل في التفكير في شروط وجود حكومة أو سلطة سياسية تكون في الوقت نفسه حامية وغير قمعية ، وكي تتمكن الدولة من حماية الحقوق الأساسية للأفراد لابد من أن تكون حائزة على السلطة العليا القادرة علي فرض القانون بالقوة دون أن تنحرف وتتحول إلي تسلط ” المساواة أمام القانون ” شرطا أساسيا لحماية الحرية ولتحصين السلطة من الانزلاق في مهاوي التسلط  ، ولذلك فقد أولوها مكانة أهم من المساواة السياسية ، ولوك على وجه الخصوص  لا يتحدث في الحكم المدني المواطنة والمواطنين بل يتحدث عن الأفراد الذين يطيعون من منطق الواجب  قوانين الحكومة ما دامت هذه الأخيرة تحمي حقوقهم وتضمن تواجدهم السلمي ولقد حاول لوك بناء نظرية سياسية من شأنها أن تؤلف بين مقتضي الحرية الفردية وضرورة السلطة ولكن تصوره للحرية كحق طبيعي أي كمبدأ للوجود السياسي حتم عليه وضع حدود للسلطة السياسية ، فالسلطة العليا ” السلطة التشريعية ” تكون كذلك بالنظر إلي وظيفتها وهي حماية المجموعة وضمان حقوق الأفراد وهي تستمد مشروعيتها من سلطة أعلي منها هي إرادة المجموعة ذاتها أو إرادة الشعب .

 

وأضاف الكاتب ”  تحتوي فلسفة جون لوك علي الأسس للديمقراطية الليبرالية ( الحق الطبيعي ، الحقوق الذاتية ، أولوية الحرية الفردية ، الحد من السلطة ، مبدأ الأغلبية ، السيادة الشعبية ) وهي أسس تتحدد بحسب نظرة لا هويته – سياسية للوجود الإنساني تتجاوز التعارض بين الواقع والحق وبين الوجود والمعرفة ، إن القانون الطبيعي الذي يكتشفه العقل هو معيار ممارسة السلطة السياسية ومعيار القوانين الوضعية التي ينبغي أن تكرس وتحمي الحقوق الطبيعية لكل الأفراد ”  الليبرالية فلسفة لوك ، ”  لكن دون اعتبار الحرية القيمة الأعلى ودون رفض السلطة في حد ذاتها ، فلا حرية إلا في  نطاق العدالة ولا وظيفة للسلطة إلا حماية المجتمع وتحقيق الخير العام ، ولكن يجب أن نلاحظ هنا أن الحماية لا تتمثل في رأي لوك في فرض القانون وضمان شروط احترام العقود والمعاهدات بين الأفراد أو بينهم وبين الحاكم فقط بل يجب أن تفهم في معناها العام ، حماية الحقوق الطبيعية .

 

Next Post

" النائب العام " إحالة " كمسرى القطار " إلى المحاكمة الجنائية العاجلة

  كتبت : شيماء عبد المجيد   أحال النائب العام، المستشار حمادة الصاوي بإحالة، المتهم مجدي إبراهيم محمد حمام، كمسري القطار رقم (934)، الذي تسبب في مقتل شخص وإصابة آخر، إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، في اتهامات بجرح أفضى إلى موت وجريمة الجرح العمد .   وقال بيان للنيابة العامة، أن […]