المعذبون في الأرض “1 ” .. صلاح ذكي أحمد

إبدو

هذه الكلمات مُهداة  إلى الباحثين عن  العدل في كل عصر وعهد ؟؟؟

الجزء الأول :

( ….لا أظن أن واحداً من جيلي لم يقرأ تلك المرثية الحزينة التي كتبها عميد الأدب العربي الدكتور ” طه حسين”  ينعي فيها الفقر وأهله في بلادنا الحبيبة ، وأقصد بالطبع كتابه الرائع والمؤلم في نفس الوقت

” المعذبون في الأرض ” …

الكتاب بكل ما يحمل من شجن ، سوف أعرض لبعض ما جاء في صفحاته التي اقتربت من المائتين  ، يحمل في نفسي ذِكرىّ  عزيزة لا أنساها أبداً على طول سنوات العمر ، ف “المعذبون في الأرض ” هو أول كتاب اشتريته من مصروفي المدرسي المحدود ، كان ذلك الوقت في عام ١٩٦٠ ، فكان باكورة مكتبتي التي بلغت طوال تلك السنوات من العدد ما يربو على الثلاثين ألف كتاب  في شتىّ أنواع المعرفة ، بحمد الله وفضله ، فكان فاتحة خير ما بعدها خير وسعادة  ، لا يسبقها  عندي أي نعمة ، سوى نعمة الإيمان والصحة …

كنت وقتها في السنة الأخيرة من مرحلة الدراسة الابتدائية ، اشتريت الكتاب وقرأته وأنا في كل صفحة من صفحاته أبكي مما جسده قلم “طه حسين” من مأساة وطن ومحنة شعب …

عقلي الصغير وفهمي الطفولي لم يساعداني في الإلمام بحجم الفقر والفاقة التي أحاطت بفقراء مصر آنذاك ، غير أن قلبي ، قلب الطفولة النقي ، كان أسبق في إدراك ما أراد أن يقوله “طه حسين” ….

” المعذبون في الأرض ” وما يحمله من قصص واقعية مرت في حياة عميد الأدب العربي ، لم يرىّ النور ككتاب إلاّ بعد قيام ثورة يوليو ، فقد صادرته السلطات في مصر الملكية التي إعتبرته تحريضاً على النظام السياسي والاجتماعي في البلاد ، حتى أُتهم  الدكتور”طه ” بأنه ” شيوعي الهوىّ وعلماني الثقافة لا يقصد خيراً بالبلاد والعباد ” !!!

يقول الأستاذ العميد في الصفحة التاسعة من مُقدِمة الطبعة  الصادرة عن دار المعارف المصرية والتي صدرت في سلسلة” اقرأ ” في ذلك الوقت ، عن ظروف تلك المصادرة والمنع … يقول هذه الكلمات :

” … في بعض ذلك العهد نشرت هذه الأحاديث مُتفرقة بين عام ١٩٤٦وعام ١٩٤٩ ، فلم تّحفل  بها الحكومة القائمة إذ ذاك ولم  تلتفت إليها ، ولكنها جُمعت ذات يوم في كتاب وأردت أن تصل إلى أيدي القراء مُجتمعة لتعظ المُسرِف وَتُعِزيْ المحروم ، وهنالك حفلت بها تلك الحكومة والتفتت إليها ووقفت عندها وقفة لم تطل ، وإنما صدر فيها الأمر بأن يُحال بين هذا الكتاب وبين الناس ، وبأن تؤخذ نُسخه من المطبعة إلى حيث يّصنع بها السلطان ما يشاء ، يحرقها  أو يخرقها أو يغرقها أو ما شاء من ألوان العبث ما دامت لا تصل إلى أيدي القراء ” !!!

 

وهكذا صودر هذا الكتاب فيما صودر من كُتب أُخرىّ كانت تريد أن تُبصر المصريين بحقائق أمورهم ، وأن تّعظ  منهم الطُّغَاة  والبُغاة ، وتُعزي منهم البائسين واليائسين ” ..

لم يكن “طه حسين” وحده في الميدان اللآعن للفقر وصانعيه من الحُكام والطُغاة ، فقد زامله خالد الذكر ” خالد محمد خالد ” في كتابه ” من هنا نبدأ ” و  كتابه ” مواطنون لا رعايا ” وكذلك ” مُريت غالي وراشد البراوي وأحمد  رشدي صالح والدكتور  أحمد حسين وليس الأستاذ أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة وغيرهم ….

غير أن كتاب ” المعذبون في الأرض ” ظل هو الكتاب الأشهر من بين هذه الأعمال الاجتماعية والسياسية الخطيرة ، وذلك لقيمة ووزن كّاتبهُ ، فقد سبق أن نشر كتابه الخطير ” في الشعر الجاهلي ” في عشرينيات القرن الماضي  ، ١٩٢٦ ، وهو بمثابة فتح في منهج البحث العلمي آثار عليه ضجة سياسية ودينية لا زالت أصداءها لم تتوقف حتى الآن !!!

وألحقه بكتابه بالغ الأهمية ” مُستقبل الثقافة في مصر ” في عام  ١٩٣٨ ليكون دليل الوطن لمجتمع حديث ومُتحضر  لم تبلىّ صفحاته رغم مرور السنون والعقود !! 

” المعذبون في الأرض ” كما يقول المثل المصري والعربي ” مثل الجواب أي ” الخطاب يبان من عنوانه ” فهو لم يقف عند دلالات العنوان الكبير ، بل يحدد موقفاً  سياسياً واجتماعياً واضحاً في تلك الكلمات المُختصرات  التي جاءت في الإهداء ، الذي لا أظن أن واحداً من جيلي قد نسيها أبداً أو سقطت من ذاكرته إطلاقاً ، فهو يقول ، وعلينا أن نتمعن فيما قاله هذا العميد الرائد :

” … الي الذين يُحرقهم الشوق إلى العدل ، والى الذين يؤرقهم الخوف من العدل ، إلى أولئك وهؤلاء جميعاً ، أسوق هذا الحديث ” ثم يحدد “طه حسين” غايته من الحديث ، إلى من يوجه خطابه ؟؟

فيقول في فقرة تالية من الإهداء :

” إلى الذين يجدون ما لا يُنفِقُون  ، والى الذين لا يجدون ما يُنفِقُون  ، يُساق هذا الحديث ” …

بين هذه الكلمات التي يفتتح بها “طه حسين” رحلته مع “المعذبون في الأرض” وتلك التي يختتم  بها كتابه ، سوف أسوق حديثي بين المُبتدأ والمُنتهىّ ، فيقول ” طه حسين ” بكلمات هي إلى  الصرخة أقرب:

” … إلى أي الطريقين يريد المُترفون   من المصريين أن يذهبوا : إلى طريق الموت أم  الى طريق الحياة ؟ سؤال ألقيه على نفسي حين أصبح ، وألقيه على نّفسيّ حين أُمسي ، وأضّرّعْ  إلى الله بين ذلك أن يجنبني اليأس ، ويّعصمني من القنوط ، ف ” إنه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون ” صدق الله العظيم ….

 

Next Post

وزير التعليم العالي والبحث العلمي يرأس اجتماع مجلس المراكز والمعاهد والهيئات البحثية

  عقد مجلس المراكز والمعاهد والهيئات البحثية اجتماعا اليوم الثلاثاء برئاسة د. خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بحضور د. ياسر رفعت، نائب الوزير لشئون البحث العلمي، ود. وليد الزواوى، أمين المجلس، والسادة أعضاء المجلس، وذلك بمقر الوزارة. وجه المجلس التهنئة للدكتور جاد القاضي، لصدور قرار مجلس الوزراء […]