إبدو

منطلق المعرفة

أشرف بيدس …يكتب ” شهريار يحكى “

 

كانت حبيبتى مثل زهرة البنفسج ترتعد إذا ما داعبتها نزوات النسيم، تستقبل كل صباح الشمس لتضع القرنفل على خدها الأرجواني المشتعل.. وتتكحل الأزهار من نور عيونها. ويحاول القمر التلصص عليها ليلا حتي يسطو علي بعض من ضياءها فيزداد بهاءا ونورا.. حبيبتي عندما تفتح فمها ينطلق الفل والياسمين والريحان ليبدأ الربيع دورته.. وعندما تبكى تسقط الأمطار من السماء فيغرق من حولها.. وعندما تضحك تتبسم البراعم واليارات والعصافير..  كانت حبيبتى تملك قلباً يستوعب كل أخطاء البشر وحماقاتهم.. فتحت الكتب التاريخ والأساطير لتروي قصتها علي ألسنة العاشقين، ودون شهرزاد لا معني لكل حكايات الحب التي تناقلت عبر السنوات والحقب.

كنا نلتقي هناك بعيدا, فيما وراء الأشجار والعمران والبشر، في عمق المسافات الشاسعة، والخلاء المترامي الاطراف, عندما كانت الرمال اختراع لم يكتشف وسر من اسرار الحياة..  والشواطئ جزر نائية لم تطأها أقدام ولم تراها عين.. كتبت أسامينا على صفحة المياه الناقية.. وتحاملت الأمواج على نفسها حتى لا تمحى حرفا من حروفنا، وبدا الكون لنا وحدنا نمرح ونلهو فيه كيفما شئنا، وعندما تفشي سرنا وصار مشاع، هرول العاشقين إلينا، وأصبح النزول للبحر عادة، اعتادوا عليها للتيمن ببقاء الحب مدى الحياة..

حبيبني.. تسافر أحلامك فى أيامى، تنساب وتتسلل وتحتل الواقع والخيال، تنتقى الأيام الخضراء، وتطرد كل الكوابيس الحزينة.. تغسل حياتى من كل سوءاتها وتشفيني من رغباتي الآثمة.. نجرى على الشاطئ، حتى نرهق الرمال، نطوف يمينا ويسار، نقطع المسافات الطويلة ذهابا وايابا دون أن نشعر بالتعب، وبعد ذلك تبدأ رحلة السباحة في قاع المحيط، نعيش الطفولة بكل فوضيتها.. لا أحد يرصدنا أو يتحسس خطانا.. وعندما نطفو إلى السطح حيث الرمال الناعمة، ورذاذ الماء يتساقط على شفاتينا، نذوب فيه ويذوب فينا.. ونرتشف من النشوة لحظات الخلود.

كان يخيل لي أن حلول صباح جديد علينا سيفقدنا جزء من نشوة اللقاء وشهوة الحكاية، بعدما اعتدنا علي المكان بكل ما يحمله من وهج، ويأتي اليوم التالي أكثر ألقا من ذي قبل، وتزداد حكاية شهرزاد عنفوان وطزاجة وقدرات هائلة علي بعث الاندهاش والشغف. كنا ندشن للعشاق كل يوم قصة جديدة.. تتلي كلمات لم تنطق من قبل، وأحاسيس لم تحس، وتواصل عبقري للاكتمال والانصهار والتوحد في مشاهد عاطفية استثنائية خارج نطاق حدود البشر، تدوم الشمس ولا تغيب، تتحرج أن تمضى فى حضرتك، وتخشي أن يفوتها تفصيلة من هذا العرس الخرافي .. يلتف حولنا النورس يؤذن فى المكان ويشيع البهجة والألفة والتراحم بين سائر الكائنات التي تتوافد مع انسياب رائحة الأزهار المنتشرة بوفرة.. ويقف القمر حزينا منتظرا بالساعات راغبا في المشاركة، وعندما ينتابه القلق، تتحرج الشمس وتبدأ في الرحيل ليهل علينا بصحبة نجومه المتلألأة وكأنها مصابيح نور تسرد الطمأنينة والونس.. لم تنته حكايتي بعد يا شهرزاد، مازال بالبستان زهور لم يرها أحد من قبل.. بدرت فى الأرض لك وحدك.. ولا يعلم أحد عنها شيئا، وأن عيناكى هى أول من تراها.. ويداك أول من يحتضنها ويتحسسها.. فبدلا من أن تتنسمى ريحقها يتسلل هو إليك كى يستزيد بك ..  ستظل حكايتك زادا يجتره العاشقون عندما تفيض مشاعرهم.